لماذا لا نرتاح في الإجـازة؟

في غرفة شبه مظلمة، رغم أنه منتصف النهار.. تتحرك ستائر بيضاء بهدوء جراء نسيم خفيف قادم من البحر.. صوت يملأ الغرفة.. يطغى على هسيس الأمواج، إنه شيء آخر…

هاتف على الطاولة يضيء وينطفئ..
مستلقي على سريره، لا يفعل شيئا.. لا يقرأ، لا يتأمل..
فقط يحدق في الفراغ، وكأن هناك فكرة أو شعورا يحاول أن يتشكل بداخله لكنه لا يكتمل

في الخارج، الناس يستمتعون بإجازتهم”.. أما في الداخل، فهناك ضجيج داخلي لا يشبه أي صوت..

نعتقـــد

غالبا أن الإرهاق يأتي من الدوام، من الضغط اليومي، من السرعة التي نعيش بها.. -ربما و ربما لا-
ثم نخلق صورة ذهنية بسيطة:

    • إذا توقف كل ذلك… سيتوقف كل شيء

لكن ما يحدث غالبا هو العكس تماما

لماذا ؟

حين تتوقف الحياة من الخارج، تبدأ الحياة من الداخل في التحدث بصوت أعلى
و كأن العقل كان ينتظر فقط لحظة الهدوء هذه ليقول كل ما لم يقل من قبل…

وهنا يظهر سؤال يبدو مزعجا:

    • لماذا لا يصمت هذا الضجيج.. حتى عندما نصمت نحن؟

بعد عـــام عمل طويــل

و في إحدى الإجازات -أو الاستقالات-، يظهر شعور غريب على السطح يقول: “أخيرا، سأرتاح..”
لم يكن الأمر متعلقا أبدا بالتعب الجسدي، بل رغبة في  إيقاف ذلك الحوار الداخلي المستمر الذي يرافقنـي أينما كنت..

ما هي إلا ثلاث ايام، حدث شيء غير متوقع

بدل أن يهدأ العقل.. أعاد تشغيل كل شيء:

  • قرارات لم تحسم بعد
  • سيناريوهات مستقبلية لا تنتهي 
  • وأسئلة بسيطة تحولت إلى دوائر مغلقة
  • أنماط و عادات من الماضي تتكرر

حتى أثناء جلوسي على الشاطئ، لم يكن البحر هو المنظر المشاهد، بل نفسي..

لاحقا، وفي حديث مع صديق يعيش تجربة مشابهة.. تكررت نفس الجملة تقريبا:
“سأرتاح في الإجازة، أظن…”

ربما المشكلة ليست في عدم وجود وقت للراحة، بل في أن الراحة ليست المكان المنشود الذي يهدئ فيه هذا الضجيج…
على العكس تماما .. كانت الراحة بمثابة الظرف المناسب للنفس لتعبر..

ما نسميه

“ضجيجا داخليا” ليس عيبا في العقل، بل وظيفة طبيعية له

العقل لا يتوقف عن التفكير، لأنه لم يُصمم ليصمت..
هو آلة تفسير مستمرة.. يعيد بناء الماضي، يتوقع المستقبل، و يحاول حماية الهوية من التهديدات..
تجليات غريزة البقاء بمعنى او بآخر..

لكن المشكلة تبدأ عندما:

    • نظن أن كل فكرة تحتاج إلى حل فوري

    • و نعتقد أن الهدوء هو غياب الأفكار

و في الواقع، الهدوء الحقيقي ليس غياب الضجيج، بل تغيّر علاقتنا به 

و هذا ما يقربنا منه عالم النفس السويسري كارل يونغ حين أشار إلى أن ما لا نواجهه في داخلنا، سيعود إلينا كقدر
هذا الضجيج نابع من الداخل، ليس لأن ”الداخل“ شرير أو عدو يتربص بنا، بل هو أشبه بطفل تم تجاهله وإقصاؤه في غرفة مظلمة لفترة طويلــة..
هذا الجزء المُهمل لا يريد تدميرنا، بل يصرخ بكل الطرق المتاحة ليلفت انتباهنا..
والصرخة هنا تأتي على شكل مواقف متكررة، أنماط علاقات سامة، أو حتى أعراض جسدية ونفسية، او شعور بالتعب المتواصل رغم الراحة الظاهرية..

وعندما نرفض الإنصات يتحول الإهمال إلى تمرد، يتحول هذا الجزء غير المسموع إلى طاقة مكبوتة تدير المشهد من خلف الستار. و لا محالة ستظهر إلى السطح شئنا ام ابينا..

الإجازة، إذا، لا تُسكت الضجيــج الداخلي
بل تزيل الضوضاء الخارجية التي كانت تخفيه فقط

ربمـــا

“الضجيج ليس مشكلة يجب حلها، بل هو مجرد صوت أشياء لم تجد مكانا بعد داخلنا”

بهكذا صياغة نمنح انفسنا مساحة هائلة من الارتياح والقبول..

قد

غُسلت أدمغتنا لاعتبار الإجازة “وقتا مستقطعا للاسترخاء”، لكنها في الحقيقة مجرد إيقاف للمُلهيات الخارجية..
فعندما يصمت العالم من حولنا، يرتفع صوت الداخل تلقائيا، وتطفو تلك الملفات العالقة التي طال تأجيلها خلف ستار العمل والمهام اليومية..

تعلمـــت

في السنة الأخيرة أن الهدف لم يكن يوما -ولن يكون- إيقاف هذا الضجيج..
تعلمت أن محاولة إسكات الضجيج الداخلي بالقوة هي شكل آخر من أشكال الكبت التي تعيد إنتاج “القدر” الذي تحدث عنه يونغ.
تعلمت أن الهدف الحقيقي هو تغيير علاقتنا بهذا الضجيج.. أن نحتضنه .. أن ننصت له .. أن نحبه..
لأنه بمثابة نداء من الذات الحقيقية لنزيل بعض الغبار عنها أخيرا…

"حتى تجعل اللاوعي واعيا سيقود حياتك وستسمي ذلك قدرا "

Picture of أنس زيخة
أنس زيخة

مشروع مفكر وكاتب يستكشف الفلسفة وعلم النفس وتطوير الذات والإنسان داخل الحياة المعاصرة

جميع المقـــالات

خيارات مختصرة